

الأفكار المتطرّفة، ما بين تبنّيها وجعلها مطيّة (هل يستطيع الفكر الجهادي أن ينبُت في النفوس كعقيدة بين أبناء الجزيرة؟!)
2020-01-19
عباس علي موسى
بينما يكون انضمام الأفراد من المقاتلين إلى صفوف داعش مبنيّاً على أيديولوجيا مرتبطة بفكرة "الإسلام المتطرّف"، الذي يتبنّى أفكاراً راديكالية حيالَ تفسير نصوص الجهاد في الإسلام بما ينسجم وحالة العنف الذي تتبنّاه الجماعات المتطرّفة حول العالم، يكون التفاف الناس حول التنظيم المتشدّد مختلفاً من حيث المبدأ والمنطق، وإن كان بالنهاية يعني شيئاً واحداً وهو أنّ التنظيم "يتمدّد" بهم وبين ظهرانيهم.
إذن "المهاجرون" -استعارةً من مهاجري مكة مع النبي محمد إلى يثرب -وهم هنا القادمون من أصقاع الأرض، هم الخزّان البشري الفعّال، واليدُ الحديدية التي قاتل بها داعش قبل سقوطه، والتي تقاتل الآن على شكل خلايا نائمة/ يقظة، بينما يمثّل "الأنصار" - استعارةً لأنصار مجموع مهاجري مكة في يثرب/ المدينة - وهم هنا أهل المكان. لكن بعيداً عن الاستعارتين، فإنّ التنظيم حين يتبنّاهما فإنّ دوافعه واضحة، إلا أنّ واقع الحال يُظهر كيف أنّ "المهاجرين" يقتربون من الاستعارة، من حيث الزهد الدنيوي فقط، والتوجّه إلى حيث أرضٌ تكون صدى لما تعلّموه، فهم استطاعوا أن ينتقلوا بالعنف النظري إلى مرحلة أخرى وهي ممارسته العمليةُ، لكن "الأنصار" ليسوا سوى أناس لم يقرّروا أن يتزحزحوا عن مكانهم، وانخرطوا في اللعبة، في البداية، كحالة "براغماتية"، وربما تطوّرت في بعض مراحلها لتصير أكثر من مجرد حالة "براغماتية".
عربُ الجزيرة واستلاب الخيارات في ظلّ الجماعات المتطرّفة:
من المُجحف القول إن عرب الجزيرة هم حاضنة مناسبة لتنظيم داعش، في إشارة مبطّنة إلى أنّهم شركاء فعليون للتنظيم المتطرّف، وجعلهم في سلة واحدة معه، دون أن يُعفيهم ذلك من وزر مشاركته فعلياً، أو بالسّكوت عن أفعاله، أو بالرضى عنها.
ثمة من قال، إبان دخول التنظيمات المتطرّفة إلى مناطق الجنوب "جنوب الرد" في العام 2013: "إنّنا نحن العربَ مغتصَبون". في إشارة مرّةٍ إلى التنقّل ما بين القوى، دون أن يعني أنّهم مع هذا الطرف أو ذاك إلا بمقدار ما تسمح لهم ظروفهم "البراغماتية".
إنّ التاريخ المعاصر لعرب الجزيرة يُظهر جلياً أنّهم غيرُ متطرّفين في تمسكهم بالإسلام، وأنّهم مسلمون وعلى مذهب السنّة، دون أن يعني ذلك أنّهم سيحاربون من أجل فكرة الجهاد أقواماً آخرين "مارقين" كالكرد أو من "أهل الكتاب" كالمسيحية، متمثلةً بالسريان والآشوريين والأرمن، لكن ومع ذلك فإنّ خريطة توسّع المجموعات الجهادية تُظهر بوضوح تمدّدها في العمق العربي بهذه المناطق، دون أن تستطيع التغلغل في مجتمع الكرد بالأرياف، بينما نجحت بوضوح وعلى مدار سنوات في البقاء والسيطرة على مناطق ذات ثقل عربي.
برغم صعوبة اختزال الأسباب في واحد منها أو اثنتين، إذ إنها حزمة، غير أنّنا سنركز على سببين نراهما أساسيين، أوّلهما: المجموعات "العربية"، التي من المفترض أنّها حاضنة لهذه المجموعات، ولكي تحافظ على وجودها لم تحرّك ساكناً؛ بغرض صدّ دخول هذه المجموعات بشكل جاد وفعلي، على الأقل مجتمعياً، كحركة نزوح جرّاء سيطرة المجموعات، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ النزوح كان يحصل جرّاء العمليات العسكرية وليس بسبب سيطرة المجموعات الجهادية على المكان. أما ثانيهما: إنّ انخراط الكثير من أفراد العشائر في هذه التنظيمات، "كفرصة عمل" أو كعامل "إظهار القوة" عبر السلاح في وجه الخصوم أو المنافسين من العشائر أو القوى العسكرية، أدى إلى تحييد قرى كاملة عبر العمق العشائري ومدى سطوتها التي استحصلوها عبر السلاح.
وارتأت بعض العشائر أن تلعب دوراً، وتحظى ببعض القوة والنفوذ، مع تهميش لدور العشائر امتد عقوداً في ظلّ نظام البعث الذي قلّصها ولخّص ولاءها في مدى "بعثيتهم"؛ وهكذا وجدت تلك العشائر لنفسها، عبر أفراد منها، دورَ نفوذ وقوة.
هل بإمكان التطرّف أن يظهر دون وجود قوة عسكرية:
ربما السؤال الأهم، في الحديث عن الأفكار المتطرفة ما بين تبنّيها وجعلها مطية لمآرب أخرى، هو الإجابة عن سؤال ما إذا كانت البنية المجتمعية لتكون متطرفة دون أن تكون هناك قوة عسكرية مرافقة لهذا التمظهر للتطرّف والراديكالية والمغالاة في "إسلام عنيف" لم يَخبِرها أهل الجزيرة في تاريخها الحديث.
يبدو أنّ أهل الجزيرة، من العرب، لم ينخرطوا في صفوف المجموعات الجهادية إلى حدّ كبير، يمنع خط الرجعة "البراغماتية"، إذا ما صحت التسمية في هذا المقام، والدليل انخراطُهم في صفوف القوات الكردية (YPG - قسد)، وانضمامهم إلى صفوف قوات النظام السوري.
بترك الأمور على سجيتها، يبدو أنّ المجموعات الجهادية لن تستطيع أن تتوغّل بشكل أيديولوجي بين صفوف هذه المنطقة إلا في الحدود الدنيا، التي هي مصالح فردية، وذلك في حال توفر شرط عدم وجود قوة عسكرية مرافقة، لذا نرى كيف أنّ التجاذبات حول الانخراط في العسكرة تتأرجح بين القوى المختلفة.
من شأن العدالة الانتقالية، فيما إذا قيّض لها أن تتفعّل يوما ما - نرجوه غير بعيد - وضعُ ميزان، يفرّق بين الأفعال ذات الضرر الكبير، الذي وصل لحدّ إبادة الآخر للآخر، وبين التي ذات الضرر الأصغر وهو السكوت عن الحقّ.
إنّ الحديث عن فسيفساء في الجزيرة، من عرب وكرد وسريان وآشوريين وأرمن، ليس من قبيل الرومانسية وليس مجرّد "كليشة" لبيع الكلام. هناك ما يؤكّد أنّ بمستطاع الجميع العيش معاً في وئام، لكن دوماً مع غياب السلاح في الساحات، ووجود تصارع قوى متعدّدة.
