call us now

(+964) 751-4413372

النساء وصناعة القرار في شمال وشرق سوريا

2020-09-21
نجاح هيفو- كاتبة كرديّة سورية

ليس في المجتمع الكرديّ فحسب، ولا في مجتمع شمال وشرق سوريا أيضاً، بل في سوريا - ومجتمعات الشرق الأوسط، على اختلاف قومياته وأديانه وطوائفه وأفكاره، تبدو قضايا النساء كأبرز القضايا الإشكالية، التي تؤثّر في شكل النظام السياسيّ وشكل المجتمع كلّه.

قبل مُدّة، خلال اتصال بيني وبين إحدى الناشطات الكرديّات النسويّات، جرى نقاشٌ حول وضع المرأة الكرديّة والعربيّة والسريانيّة في شمال وشرق سوريا، كانت زميلتي تعتقد أنّ المجتمع في تلك المنطقة متقدّم إلى حدٍّ كبير في هذا المجال، وثمّة مشاركة جيّدة للنساء في صناعة القرار، غير أنّ لي وُجْهةَ نظرٍ مختلفة في هذا الصدد؛ وأعتقد العكس من ذلك، وأعتقد أنّ النساء ما زلن يُعانِين شديداً، ويتعرّضن للأحكامِ المُجتمعيّة والأشكال النمطيّة، التي يفرضُها المجتمع عليهنّ. إذ بالنسبة إلي، تقدُّمُ أيّ مجتمع مرتبط بمدى حرّيّة النساء، وبمدى القضاء على أشكال التمييز على أساس الجنس، وعلى الأشكال النمطيّة التي خلقتها العادات والتقاليد بحقّهن.

والحال أنّ الاستغلال هو ذاته، باختلاف الآليّات؛ فالنساء ما زلن يواجهن استغلالاً كبيراً، وتمييزاً على أساس الجنس، وأشكالاً نمطيّة، وما التحوّل الحاصل سوى تحوّل في أدوات وأشكال الاستغلال. فالنساء كنّ يُستغلن في المجتمع، والعائلة، والزواج، فضلاً عن قضايا أخرى مُختلفة. وبرز استغلالٌ ما، من خلال فُرصِ العمل، واستخدامِ النساءِ كواجهةٍ إعلاميّة في مجالات العمل المختلفة.

ذاك أنّ المجتمع المحليّ، في شمال وشرق سوريا، قائمٌ على أمرين رئيسين، هما: مسألة الدين، التي تؤطّر حياة النساء وتحدّد لهنّ أنماطَ العيش والمُمارسةَ الحياتيّة، فيما الأمر الثاني هو مسألة العشيرة، التي تؤطّر كذلك للنساء أساليبَ حياتهنّ، وتفرض عليهن المسموح والممنوع؛ فالمجتمع العشائري قائمٌ على حُكمِ الرجل، وفرضِ سطوة الرجال، إلى جانب التغنّي ببطولاتهم وتمجيدها، ومنحِهم المساحة الأكبر في صناعةِ قرارات العشيرة والعائلة ووجودها في المجتمع. يلعب هذان العاملان دوراً أساسياً في تأطير أدوار النساء في الحياة وصناعةِ القرار، ويلعبان دوراً أساسياً أيضاً في استغلالِ النساء؛على المستوى الخاص في العائلة، والمستوى الخاص ضمن الحياة السياسيّة والحكوميّة.

تعتمِدُ الإدارةُ الذاتيّة في أفكارِها الأيديولوجيّة على حقوقِ المرأة؛ كركيزةٍ أساسيّة لأفكارِها ومُعتقداتها ونشاطِها، في شمال وشرق سوريا، غير أنّ هذه الأفكار والمُعتقدات، وما تفعلهُ الإدارةُ الذاتيّة، ما تزالُ منقوصة، وربّما مَردُّ هذا إلى سببين رئيسين؛ أوّلهما أنّ جزءاً من العقليّة الذكوريّة التي تُدير المُجتمع، فعّالٌ في مؤسّسات الإدارة الذاتيّة أيضاً، والسبب الثاني هو أنّ قوانين الإدارة الذاتيّة، المخصوصة بالنساء، ما تزال غير مُكتملة، وأن بعضها يحتمل وجهين؛ ربّما تتحوّل إلى عقابٍ للنساء وليس حمايةً لهنّ.

كذلك، فإنّ الإدارةُ الذاتيّة حتّى الآن لم تتمكّن من سنّ قوانين لكاملِ قضايا النساء، ولا تزال الشروط والضوابط الاجتماعيّة والعرفية تلعب دوراً؛ فحتّى الآن ليس ثمّة قانون لتجريم التحرّش على سبيل المثال، وفي قانونِ منع تعدّد الزوجات ثمّة إشكاليّة أن يولَد طفلٌ مجهول النَّسَب. هذه الأخطاء تعودُ حتماً إلى نقصٍ في الخبرةِ القانونيّة وقِصَرِ تجربةِ الإدارةِ الذاتيّة، والّتي بكلّ تأكيد هي الأفضل في هذا الملفّ على المستوى السوريّ العام، لكنها ليست كذلك على مستوى الحقوقِ والواجبات.

في سياقٍ موازٍ، فإنّ قوانين الإدارة الذاتيّة، والأحزابِ الكرديّة في المجلس الوطني الكرديّ، وباقي التجمعات السياسيّة العربيّة والسريانيّة، لا تزال – جزئياً - تنظر إلى المرأة على أنّها عضو قاصر في المجتمع، ولا يُمكن التعويل على المجتمع المحليّ في وصول النساء إلى مناصب قياديّة أو إلى مراكز القرار، مثل البرلمان ورئاسة الإدارة الذاتيّة وغير ذلك. ويتم اعتبار المرأة غير متعلّمة وغير أكاديميّة، ويتمّ تعيينها دون الاستناد إلى المؤهلات العلميّة في الوظائف، وكذلك لا يتم إبراز المرأة إعلامياً في ذلك، والشخصيّة الأبرز إعلامياً، في أغلب الهيئات والوزارات، هي شخصيّة الرجل.

من جهةٍ ثانية، فإنّ الأحزاب السياسيّة الكرديّة، في المجلس الوطني الكرديّ، أو الأحزاب الثانية، لا تزال محكومة بتلك الصورة النمطية، التي لا تمنح المرأة أدواراً في الحياة العامّة، وفي السياسة والعمل المنظّم؛ حيث بين كل الأحزاب الكرديّة ليس للنساء ممثّلاتٌ، بشكل شبه كامل، في المكتب السياسي أو اللجنة المركزيّة أو قيادة الحزب، وحتّى الآن لم تتبلور في ذهنيّة الأحزاب فكرة "المرأة القياديّة".

برغم ذلك، فإنّ تلك الأحزاب والتيارات تقدّم المرأة، في برامجها السياسيّة، كإحدى القضايا الأهمّ الّتي تناضل من أجلها، وتعمل على ذلك، وتُقيم الأنشطة والفعاليات المتعلّقة بنساء كرديات، ناضلن في الحركة التحررية الكرديّة، مثل: ليلى قاسم. غير أنّ الأحزاب لم تسمح، حتّى الآن، لامرأةٍ أن تصبح بمنزلة ليلى قاسم، أو أن تقدّم مجهوداً أقرب إلى مجهودها البارز، برغم الإمكانيات العلميّة والمعرفيّة المتوفّرة.

ويشملُ الحديثُ هذا، النساءَ العربيات والسريانيات الآشوريات. فكل النساء في شمال وشرق سوريا، هنّ متشابهات في الصور النمطيّة التي يقدّمها المجتمع عنهن، وكلهنّ يعانين من المشكلة ذاتها. والمجتمع، في شمال وشرق سوريا، يتعامل بالذهنيّة ذاتها مع النساء، ويُحدد أولوياتهن في الحياة المنزليّة، والمطبخ، وتربية الأبناء، ويعتبرهنّ "شرفَ العائلة"، ومن "الأشياء" التي يحقّ للرجل استبدادُهنّ، والاستيلاءُ على قراراتهن وخياراتهنّ في الحياة.

وفي الأحوال عامةً، فإنّ المنظّمات المدنيّة والمؤسّسات الإعلاميّة، في غالبيتها العظمى، لا تزال تُعاني من المشكلة ذاتها؛ حيث إن النساء يعملن في تلك المؤسسات، لكن ليس لهنّ مراكز قياديّة، ولا يُمكنهنّ صناعةُ القرار ولا التأثير فيه، وأدوارهنّ نمطيّة ومحدّدة، وعلى مقاعد محدّدة - ليست قياديّة.

ختاماً؛ لا يُمكن أن يتطوّر المجتمع، في شمال وشرق سوريا، وأن تحقّق الإدارةُ الحاكمة في المنطقة أيّ تقدّم أو اختلافٍ في نظامِ الحكم؛ طالما أنّ قضايا النساء لا تزالُ معلّقة فيها، ولا تلقى حلولاً. أيّ مجتمع متقدّم في الشرق الأوسط، يُمكن الإيمان بتقدّمه عبر نظرةٍ تمحيصية إلى حالِ النساء فيه.

جلسة معرفية حول "بناء فريق العمل"

جلسة معرفية حول "بناء فريق العمل" استمرارا لعملية بناء مجموعة الضغط الشبابي عبر برنامج منتدى آسو للشباب الذي يستهدف مجموعة من شباب وشابات المجتمع المحلي...

Read more
حقوقنا مسؤوليتكم

انطلاق مبادرة " حقوقنا مسؤوليتكم " في محافظة الحسكة بالتعاون بين منظمة زمين للتنمية وبناء السلام - مركز آسو للدراسات الاستراتيجية - منظمة آشنا للتنمية...

Read more
ورشة إدارة العمليات اللوجستية\الرقة

ورشة إدارة العمليات اللوجستية\الرقة

Read more